Print this page

:في وثائقي «امرأة الحداد... سر شقائه وخلوده»  لآمال شقشوق الطاهر الحداد...  من متهم إلى رائد تحرير المرأة

يوم 17 أكتوبر من سنة 1930 في "كازينو البلفدير"

وقف رجل أمام جمهور، ليقدم كتابا ليس ككل الكتب. كان الطاهر الحداد يقدم «امرأتنا في الشريعة والمجتمع»، وهو على يقين أنه يسير على حقل من الألغام، وأنه يفتح على نفسه طلقات النار، وأنه لوحده وقلة قليلة معه فقط في مواجهة مجتمع بأكمله محنّط الفكر ودغمائي التفكير. ومع ذلك وقف الحدّاد بخطى من حديد ليفتح باب السؤال: كيف يمكن لمجتمع أن يتقدم، فيما نصفه الآخر لا يزال مكبلا بقيود العادات والتقاليد والتفسيرات الجامدة؟

سرعان ما تحوّل كتاب «امرأتنا في الشريعة والمجتمع»، إلى قضية، وتحوّل صاحبه إلى هدف للهجوم. من هذه اللحظة المشحونة، ينطلق الوثائقي الإذاعي «امرأة الحداد... سر شقائه وخلوده» عن نص وإنجاز آمال شقشوق  وإنتاج الإذاعة الوطنية التونسية 2026

الفكر الذي سبق القانون بربع قرن

في الذكرى السبعين لإصدار مجلة الأحوال الشخصية، عادت خلية الوثائقيات بالإذاعة التونسية إلى أحد أبرز الأصوات التقدمية التي سبقت زمنها. إنه صوت المصلح الاجتماعي الطاهر الحداد، الذي جعل من قضية المرأة التونسية سؤالا مركزيا في مشروعه الإصلاحي، ودافع عن حقها في التعليم والعمل والكرامة والمساواة، مؤمنا بأن إصلاح وضع المرأة ليس قضية تخصها وحدها، بل مدخل إلى بناء أسرة أكثر توازنا ومجتمع أكثر رقيا

بعد 70 عاما على صدور مجلة الأحوال الشخصية، يعود صوت الطاهر الحداد من جديد،  من أرشيف الإذاعة التونسية، من شغف آمال شقشوق في خلية الوثائقيات. يستعيد  الوثائقي الإذاعي «امرأة الحداد... سر شقائه وخلوده» ذكرى كتاب وسيرة رجل كتب عن المرأة، وانتصر لحقوقها، ودافع  عن كرامتها  ... فكان كتاب "إمرأتنا في الشريعة والمجتمع" لعنة على صاحبه  وقتها... نعمة له بعد رحيله وسرا لخلوده

ويتوقف الوثائقي عند أهم ما طرحه الحداد من أفكار حول المرأة والأسرة، كما يرصد ردود الفعل العنيفة التي واجهها، والظروف التي جعلت من كتابه سببا في شقائه الاجتماعي، وفي الوقت نفسه سرا من أسرار خلوده في الذاكرة التونسية. فالحدّاد كتب «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» سنة 1930، مدافعا عن  تعليم المرأة، وعن حقها في العمل، وعن ضرورة تغيير وضعها داخل الأسرة... وبعد نحو ربع قرن، ستصدر مجلة الأحوال الشخصية في 13 أوت 1956، بعد خمسة أشهر فقط من استقلال تونس، حاملة جملة من المبادئ التي كان الحداد قد نادى بها، وفي مقدمتها إعادة تنظيم الأسرة وتعزيز مكانة المرأة داخل المجتمع

وبين الكتاب والقانون، بين عام 1930 وعام 1956، تمتد حياة رجل دفع ثمن أفكاره، بينما كانت أفكاره نفسها تشق طريقها على الأشواك من أجل مكانة أفضل للمرأة ومستقبل أرقى لتونس

شهادة نادرة لعبد العزيز العروي

في الوثائقي «امرأة الحداد... سر شقائه وخلوده» لا تكتفي صاحبه آمال شقشوق بسرد هذه المفارقة، إنما تفتح صندوق الذاكرة الإذاعية، وتعثر على شهادة نادرة للصحفي عبد العزيز العروي، الذي عاصر الحداد وجالسه في حلقات «تحت السور».  فكانت شهادته ملح الحكاية  ونكهة  السرد في الاستماع إلى رجل ثقافة لم يكن مجرد شاهد على الحداد، بل دفع هو الآخر ثمن الدفاع عنه، حين نشر في صحيفته Le Croissant مقالا يدافع عن كتاب الحداد، فكان السجن شهرا في انتظاره

لا يستدعي  هذا الوثائقي الإذاعي مجرد تواريخ محفوظة في الكتب، إنما يجعل الصوت شهادة حية نابضة بسياقات عصرها  وبمناخات زمنها. فحين  يأتي صوت  الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة من الأرشيف، ليتحدث عن ظروف إعداد مجلة الأحوال الشخصية وإصدارها، تعود  بنا ساعة الزمن إلى مرحلة بناء الدولة المدنية الحديثة

في الحوار مع كلثوم الدرعي مزيو، ابنة القاضي والمناضل أحمد الدرعي، صديق الحداد الحميم، تتقاطع الذاكرة العائلية مع المعرفة القانونية والأكاديمية. فهي ليست شاهدة على صداقة أبيها والحداد فحسب، وإنما أستاذة قانون وعميدة سابقة لكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس، وباحثة اهتمت بمجلة الأحوال الشخصية 

كما يقدم محمد الحداد، أستاذ الحضارة العربية وتاريخ الأديان بالجامعة التونسية، قراءة أكاديمية في فكر الطاهر الحداد، مستندًا إلى أبحاثه وكتاباته حول تجربته، وإلى الدراسة المعمقة التي قدم بها طبعة 2011 من كتاب «امرأتنا في الشريعة والمجتمع»

بعد 70 سنة من  صدور مجلة الأحوال الشخصية، يمثل  استحضار الطاهر الحداد  في وثائقي «امرأة الحداد... سر شقائه وخلوده» استنطاقا لسؤال لا يزال حاضرا: كم من الأفكار التي تبدو اليوم بديهية احتاجت في الماضي إلى شجاعة رجل واحد كي تولد؟ وكم من رجل شجاع احترق ليضئ درب البشرية؟

نجح وثائقي «امرأة الحداد... سر شقائه وخلوده»  لآمال شقشوق أن يعيد إلينا صوت الطاهر حداد  باعتباره مصلحا عبقريا  سبق القانون، ودفع ثمن المستقبل قبل أن يصل المستقبل

ولعل مفارقة الطاهر الحداد الكبرى  تكمن في أنّ فكره الذي جعله شقيا في زمنه، هو الفكر ذاته الذي  منحه الخلود... والفكرة لا تموت

يقول  الطاهر حدّاد  في مقدمة  «امرأتنا في الشريعة والمجتمع»:  "فإذا كنا نحتقر المرأة ولا نعبأ بما هي فيه من هوان وسقوط فإنما ذلك صورة من احتقارنا لأنفسنا. ورضائنا بما نحن فيه من هوان وسقوط. و إذا كنا نحبها ونحترمها ونسعى لتكميل ذاتها فليس ذلك إلا صورة من حبنا واحترامنا لأنفسنا و سعينا في تكميل ذاتنا".

 

المشاركة في هذا المقال